السيد محمد باقر الصدر
133
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
الاستيعاب البشري محدودة ، هذا أمر طبيعي أمر صحيح وموضوعي . ولكن الخطير في هذه المسألة أنّ هذه القبضة التي يقبضها الإنسان من المطلق ، هذه القبضة ، هذه الكومة المحدودة ، هذه الومضة من النور التي يقبضها من هذا المطلق ، يحوّلها إلى نور السماوات والأرض ، يحوّلها إلى مثل أعلى ، يحوّلها إلى مطلق . هنا يكمن الخطر ؛ لأنّه حينما يصنع مثله الأعلى وينتزع هذا المثل الأعلى من تصوّر ذهني محدود للمستقبل ، لكن يحوّل هذا التصوّر الذهني المحدود إلى مطلق ، حينئذٍ هذا المثل الأعلى سوف يخدمه في المرحلة الحاضرة ، سوف يهيّئ له إمكانيات النمو بقدر طاقات هذا المثل ، بقدر ما يمثّل للمستقبل ، بقدر إمكاناته المستقبلية ، سوف يحرّك هذا الإنسان وينشّط هذا الإنسان ، لكن سرعان ما سوف يصل إلى حدوده القصوى ، إلى حدود هذا المثل القصوى ، وحينئذٍ سوف يتحوّل هذا المثل نفسه إلى قيد للمسيرة ، إلى عائق عن التطور ، إلى مجمّد لحركة الإنسان ؛ لأنه أصبح مثلًا ، أصبح إلهاً ، أصبح ديناً ، أصبح واقعاً قائماً ، وحينئذٍ سوف يكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الإنسان نحو كماله الحقيقي . تعميم المثل المحدودة : وهذا المثل الذي يعمّم خطأ ، يحوّل من محدود إلى مطلق خطأ . التعميم فيه تارة يكون تعميماً افقياً خاطئاً ، وأخرى تعميماً زمنياً خاطئاً . هناك تعميمان خاطئان لهذا المثُل : هناك تعميم افقي خاطئ ، وهناك تعميم زمني عمودي خاطئ . التعميم الأفقي الخاطئ : أن ينتزع الإنسان من تصوّره المستقبلي مثلًا ويعتبر أنّ هذا المثل يضمّ كل قيم الإنسان التي يجاهد من أجلها ويناضل في سبيلها ، بينما هذا المثل على الرغم من صحته إلّاأ نّه لا يمثّل إلّاجزءاً من هذه القيم . فهذا التعميم تعميم افقي خاطئ .